'تانيت': ما وراء الوجهات.. تجارب أصيلة تصنعها المجتمعات المحلية
من نفزة إلى تستور وزغوان، تقودنا تجارب محلية مختلفة إلى وجه آخر للسياحة في تونس؛ سياحة لا تكتفي بالمكان، بل تضع الإنسان والبيئة والتراث والمنتوج المحلي في قلب التجربة.
هذه المبادرات تندرج في إطار مشروع «تانيت» (TANIT)، المدعوم من الاتحاد الأوروبي والمنفذ من قبل Leaders International بالشراكة مع Museum Lab، والرامي إلى تعزيز السياحة البديلة والمستدامة والشاملة في تونس، ودعم قدرات منظمات المجتمع المدني والمجتمعات المحلية، خاصة في الجهات الداخلية.
وتقوم فلسفة «تانيت» على تنويع العرض السياحي خارج النموذج التقليدي، وتثمين التراث الطبيعي والثقافي، ودعم المبادرات المحلية وخلق فرص اقتصادية لفائدة المجتمعات وأصحاب المشاريع الصغرى. خلال رحلة FAM Trip، برزت خمس تجارب تعكس هذا التوجه.
نفزة.. حماية الطبيعة تبدأ من الإنسان
في نفزة، تعمل جمعية حماية الطبيعة والبيئة والمستدامة على حلقة اعتبرها رئيسها رضا الطبوبي أساسية في عمل الجمعية: الاستثمار في رأس المال البشري.
فالجمعية لا ترى في التجهيزات هدفاً في حد ذاتها، وإنما وسيلة للتكوين ونقل المهارات إلى السكان، خاصة في منطقة تزخر بالموارد الغابية والفلاحية.
ويقول الطبوبي إن الهدف من التجهيزات «ليس استعمالها في حد ذاتها، وإنما تعليم الناس كيفية استخدامها وتحسين قدراتهم»، مشيراً إلى تنظيم دورات تكوينية في طرق استغلال الموارد والمحافظة عليها، والاستعانة بأشخاص مؤثرين قادرين على نقل هذه المعارف إلى غيرهم.
وتجسدت هذه المقاربة أيضاً في محمية جبل الخروف، حيث عملت الجمعية على إشراك سكان التجمعات المحيطة بالمحمية، وخاصة النساء والشخصيات المؤثرة، والاستماع إلى مشاغلهم وتكوينهم في حسن استغلال الثروات الغابية.
والغاية، وفق الطبوبي، هي أن يتحول السكان أنفسهم إلى شركاء في حماية المحمية، بما يقلل الحاجة مستقبلاً إلى الاقتصار على الحراسة التقليدية.

تستور.. «بيت المونة» ورهان نسائي على المنتوج المحلي
في تستور، تتحول المنتجات الفلاحية إلى مشاريع تقودها النساء. فمنذ سنة 2018، يضم مجمع التنمية في قطاع الفلاحة والصيد البحري «بيت المونة» 20 امرأة ينشطن في تحويل المنتجات الفلاحية.
وتقول رئيسة المجمع أسماء الرويسي إن الرمان هو «المنتوج الرائد» للمجموعة، حيث يتم استغلال الثمرة كاملة في إنتاج العصائر والمربى ورب الرمان وحتى قشور الرمان.
كما يعمل المجمع على تقطير الأعشاب الطبية والعطرية، مثل الزهر والعطرشية والفليو، إضافة إلى تثمين منتجات «العولة» التي تشتهر بها تستور، على غرار النواصر والحلالم والكسكسي.
وبدعم من «تانيت»، تمت تهيئة فضاء جديد لاستقبال الزوار الذين يخوضون تجارب في الطبخ المحلي، وتحويله إلى فضاء يؤدي وظيفتين: استقبال الزوار وتنظيم التكوينات لفائدة النساء.
أما الرهان المقبل، فهو الانتقال من نشاط المجمع إلى شركة تعاونية، بما يسمح للنساء بتوسيع نشاطهن والوصول إلى الأسواق الخارجية. وتقول الرويسي إن الهدف هو أن يتمكن المجمع مستقبلاً من «البيع لبرة والتصدير وإصدار فاتورة كيف الشركات الكل».

جبل شيطانة.. سباق يتحول إلى تجربة سياحية وإيكولوجية
وفي المحمية الوطنية جبل شيطانة، تأخذ السياحة شكلاً مختلفاً مع تظاهرة «شيطانة» التي تنظمها جمعية «بونيمو» للسياحة.
ويشرح عضو الجمعية أمين السعيدي أن التظاهرة هي سباق جبلي على الأقدام من نوع Ultra-trail، يتضمن ثلاث مسافات: 110 و60 و30 كيلومتراً.
لكن السباق، وفق السعيدي، «ماهيش كان سباق على الأقدام»، إذ يحمل أهدافاً سياحية وإيكولوجية وثقافية.
فإلى جانب المسارات الجبلية، تنظم التظاهرة معرضاً للمنتوجات المحلية التي تنتجها نساء وفتيات المنطقة، إضافة إلى ورشات للتحسيس البيئي.
وخلال الدورة السابعة، انتظمت التظاهرة بالشراكة مع «تانيت» في إطار مشروع «Leaders»، وشهدت، بحسب السعيدي، تطوراً مهماً خاصة على مستوى مشاركة النساء وتنظيم المعرض.
زغوان.. الدراجة الهوائية لاكتشاف التراث
وفي زغوان، يوظف مشروع «إيكو بايك زغوان»، الذي تنفذه جمعية «رابتور تيم زغوان»، الدراجة الهوائية كوسيلة للرياضة واكتشاف المنطقة في الوقت نفسه.
ويقول منسق المشروع أيمن شياحي إن الهدف لا يقتصر على تنظيم أنشطة رياضية، وإنما يتمثل في «التعريف بالموروث الثقافي والأثري في ولاية زغوان بتوظيف الرياضة».
ويقوم المشروع على تنظيم تظاهرات بالدراجات الهوائية، باعتبارها رياضة صديقة للبيئة، مع تشجيع الأطفال، وخاصة الفتيات، على ممارستها، إلى جانب تطوير خدمات وتجارب جديدة للزوار.
زغوان.40 حرفية في سوق واحد
وفي تجربة أخرى، اختارت المنظمة الوطنية للثقافة والرياضة والعمل أن تجعل الصناعات التقليدية والمنتجات المحلية محور مشروعها مع «تانيت».
وتقول الكاتبة العامة للمنظمة كوثر البديري إن المبادرة جمعت حوالي 40 حرفية، وتم تنظيم سوق للصناعات التقليدية في فضاء «معبد المياه» الذي وفرته ولاية زغوان.
وكان الهدف التعريف بمنتوجات الجهة، وخاصة المنتجات المحلية، وتثمينها وتشجيع الحرفيات على الترويج لمنتجاتهن.
ولم يتوقف الأمر عند العرض، إذ استفادت الحرفيات من دورات تكوينية، خاصة في مجال التسويق (Marketing)، مع برمجة تكوينات جديدة خلال الموسم المقبل.
وتؤكد البديري أن أحد أهم مكاسب المشروع يتمثل أيضاً في بناء شراكات جديدة، مع انضمام جمعيات ومنظمات أخرى إلى المبادرة، من بينها جمعية المسنين والهلال الأحمر والكشافة التونسية.
وتلخص البديري الدرس الذي خرجت به التجربة في عبارة واضحة: «واحد وحده ما ينجم يعمل حتى شيء»، معتبرة أن وضع اليد في اليد بين الجمعيات والمنظمات هو الذي مكّن من تنظيم تظاهرات أكبر وتوسيع دائرة المستفيدين.
ما وراء الوجهات
خمس تجارب، ومناطق مختلفة، وأفكار متعددة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: السياحة لا تبدأ من الفندق، وإنما من الإنسان والمكان وما يختزنه من موارد وقصص ومهارات.
في نفزة، تصبح حماية الطبيعة مسؤولية مشتركة. وفي تستور، يتحول الرمان والعولة إلى منتوج اقتصادي وتجربة للزائر. وفي جبل شيطانة، يصبح السباق مدخلاً لاكتشاف الطبيعة ودعم نساء المنطقة. وفي زغوان، تقود الدراجة إلى التراث، بينما تمنح الصناعات التقليدية الحرفيات مساحة للترويج لمنتجاتهن.
وهكذا، يسعى «تانيت» إلى الانتقال من منطق «زيارة الوجهة» إلى منطق «عيش التجربة»، عبر دعم الأشخاص والمجتمعات التي تمنح كل منطقة خصوصيتها.
بشرى السلامي